محمد أبو زهرة
279
المعجزة الكبرى القرآن
لأشكال البرهان ، وكانت مع ذلك أعلى من الخطابة ، وإن كان بيانه المثل الأعلى الذي لا يستطيع أن يجاريه الخطباء . ولو أن المتكلمين الذين عنوا بإثبات العقائد والجدل فيها سلكوا مسلك القرآن ، وساروا في سمته لكان علمهم أكثر فائدة ، وأدنى جنى ، وأينع ثمارا ، ولكنهم سلكوا مسلك المنطق وقيوده ، والبرهان وأشكاله ، فكان علمهم للخاصة من غير أن يفيد العامة ، فإن العامة يدركون دقائق القرآن على قدر عقولهم ، ولا يدركون شيئا من أشكال الأقيسة . وقد وازن الغزالي في كتابه ( إلجام العوام عن علم الكلام ) بين أدلة القرآن وطريقة المتكلمين ، فقال رضى اللّه عنه : أدلة القرآن مثل الغذاء ، ينتفع به كل إنسان ، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس ، ويستضر به الأكثرون ، بل إن أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبى الرضيع والرجل القوى ، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ، ويمرضون بها أخرى ، ولا ينتفع بها الصبيان أصلا . وفي الحق أن الناس لو شغلوا بدراسة القرآن ، وما فيه من استدلال لينهجوا على نهجه ، ويسيروا في طريقه ، لكان لهم من ذلك علم كثير . فإن القرآن قد اشتمل على مناهج في الاستدلال والجدل والتأثير تتكشف عن أدق نواميس النفس الإنسانية . وتبين شيئا كثيرا من أحوال الجماعات النفسية والفكرية ، وفيها الطب لأدوائها ، والعلاج الناجع لأمراضها ، والدواء الشافي لعللها وأسقامها . وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام النافذ إلى القلوب والحجج الدامغة . ومعتبر ذلك بأثره في المشركين وأثره في المسلمين الأولين . وقد ذكرنا فيما مضى من قولنا أن كل من كان يسمعه من المشركين يناله منه قبس يهتدى به إن آمن ، وإن استمر على جحوده أطفأ اللّه النور في قلبه ، وطمس اللّه على بصيرته ، وكان على ريب في الأمر ، وتردد ، فكان كل من داناه منهم مس نوره قلبه ، ونال أثره وجدانه ، حتى لقد تناهى زعماؤهم عن سماعه ، لما رأوه من أثره في قلب كل من سمعه . وقد كان من أثر القرآن في المؤمنين الأولين أن عكفوا عليه يرتلونه ، ويتفهمونه ، ويتعرفون معانيه ومراميه ، وجعلوه معلمهم الأول ، ومرجعهم إذا اختلفوا ، ومنهل عقائدهم ، ويأخذون منه ما يقوى إيمانهم ، ويدفع الشبهات عنهم ويثبت يقينهم ، ولم يعرفوا حجة مع السنة سواه ، ولا محجة غير طريقه وهديه ، به يجادلون ، وعن هديه يصدرون ، فاستقام أمرهم ، وحكموا بعدله العالمين .